بعد روايتيه المسكونتين بوجع النسيان وسيرة السراب**، وضع الكاتب والشاعر كمال الخمليشي بين يدي قارئه عنقودا شعريا ناضجا وفريدا، يجلله عنوان ناطق بغموض وجه الانسان المعاصر وبضيق عمر الشاعر وصراعه مع الزمن وذاكرة ربيعها الأول: “خريف الأقنعة”.
إنها أقنعة الذين يهدي إليهم الشاعر ديوانه بعقد قراءة ضمني: “إلى كل الذين لا تلائم أحوالهم رياح الزمن”، هؤلاء هم أشباهه الذين يختزل سيرتهم ويجلب إلى مقاماته وصبواته أصداء سريرتهم التي تتحدى عبور الزمن باستدعاء الطفولة والمرأة، وبتخطي “كل سياج/ يحاصر الرغبة” (ص85) في تدفق نهر الحياة… لقد جرب الشاعر أقنعتهم جميعا وأسقطها (عن وجهه وعن وجوههم) واحدة تلو أخرى ليثبت أنه، بعد عمر حافل بالصمت، ما زال ” دوما/ يطير فوق النجوم/ مركونا إلى الخطى القادمة” (ص28 ) .
تتوزع قصائد هذه الأضمومة على ست مجموعات صغرى: مقامات، قصائد للوطن، قصائد للعشق، قصائد للحياة، صدى الصبوات، على سبيل الهايكو.
اختار الشاعر، إذا استثنينا مجموعة “صدى الصبوات” التي تتضمن ثلاث قصائد مقطعية طويلة نسبيا ومتنامية، أن يخاطب قارئه عبر الومضات القصيرة المعتقة بالرغبة والمعنى، وأكثر ما يظهر ذلك ضمن القصائد التي خصها للعشق والحياة. هذه الومضات هي الأنسب تماما لمسايرة إيقاع عصر العملة والعولمة، حيث صارت غاية حلم الإنسان وحيلته: ” اللجوء إلى وسادة منهكة/ برأس يعيش عطلته السنوية” (ص76). إن الإنصات إلى الزمن الإنساني الراهن هو ما يسم مجموعة الخمليشي الشعرية بنبضها وحداثتها وانفتاحها، وصاحبها يدرك أنه عابر بين زمنين متنابذين، ويدرك أن السرعة ميسم العصر، وأن “البقاء للأفلس” (ص77)، وهذا من أهم ما يسوغ مغامرته مع شكل “الهايكو” الياباني الذي يحقق الحضور الشعري بثلاثة أسطر وعناصر غا


























